User Rating: 0 / 5

Star InactiveStar InactiveStar InactiveStar InactiveStar Inactive
 

لو نظرنا نظرة تأملية فاحصة إلى كل أوجه المنافسة والصراع بين شعوب الأرض بغض النظر عن الحيثيات لاكتشفنا انه بإمكاننا وصفها بكل الصفات إلا كونها باردة..

 

إذا ما هي هذه الحرب التي أطلق عليها الحرب الباردة؟{jcomments on}

لقد كان شكل هذه الحرب الإجمالي والمستمر والواسع الانتشار عسكريا واقتصاديا ودبلوماسيا.. حيث تم نزع الكثير من حقوق الشعوب بالعمل الدبلوماسي والفيتو السياسي داخل الدولة الواحدة أو بين القارات, فالمظهر السياسي الصاخب بات يرسم بحركته شكل كوكب الأرض من خلال ولادة الأحزاب الحالمة بالسلطة والمقاومات والحركات التي تفجر الحواجز من خلال إعلان مطالبها, وأخيرا فان شكل هذه الحرب كان أيضا فني ثقافي, الأمر الذي اظهر اختلاف وتباين الشعوب ومؤسساتها .

هكذا كان شكل الحرب الباردة,, وهكذا تظللنا تحت رعبها, ورغم ذلك فقد حققت جمهورية مصر العربية انتصارا عربيا كان الأول والأخير لهذا القرن في حرب السويس عام 1956م .

ولكن ماذا يحصل الآن حيث انتهت الحرب الباردة كما كانت تسمى, بانتصار معسكر الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية القطب الأوحد؟.. هل من الممكن أن نكون قد انتقلنا إلى حالة "السلم الساخن"؟ جدلا؟, أم إلى حالة "اللاسلم واللاحرب"؟! أم أننا وبكل صراحة رفعنا راية الاستسلام من خلال هذا السلام؟

إنها لمفارقة عجيبة أن يحدث مثل هذا التحول في العلاقات الدولية ونحن على منعطف زمن المعرفة الحاد جدا.. إننا لا نستطيع أن نفرض معارفنا وثقافتنا حتى على أنفسنا, ويجب أن نقترب من حالة الإفلاس الثقافي كي نتوازن في علاقاتنا مع العالم ونخرج من العزلة .

نحن نقترب من الألف الثالث بسرعة شديدة.. ونقاد بسهولة من خلال الرادارات الغربية.. والعقول الالكترونية في قوافل لانعرف موقعنا فيها, وقد اقتصر نشاطنا هناك فقط على الاستهلاك السلعي والرأسمالي بفضل صفتنا النفطية والمعدنية.

أوروبا العملاقة أيضا يحصل لها نوع من أنواع فقدان الملامح والتهميش, لكن بفارق كبير عن ذاك الذي يحصل لنا, وقد ظهرت داخل العديد من المؤسسات والأحزاب الأوروبية أشكال مختلفة من المعارضات وقوى الضغط للوقوف بوجه هذه الحالة واخذ بعضها الشكل الفاشي المتطرف رغم أن أوروبا قطعت شوطا كبيرا في المدنية والتحضر, وهذا ما يدل على أن هناك إحساسا أوروبيا بخطر محدق يهدد هويتها ووجودها .

وإذا كانت أوروبا عريقة فنحن اعرق.. فردود أفعال شعوبنا وأممنا سوف لن يسيطر عليها, خاصة عندما تمتهن هويتها ووجودها بحيث تصل إلى طرق وجسور ضيقة لا يمكنها أن تحصل على طوق النجاة إلا من خلال تخليها عن ما لديها من ملامح وخصوصيات .

إذاً ما كان يسمى بالحرب الباردة لم تنتهي, بل تغير الميدان فقط, فالميدان أصبح هنا الذاكرة والوجود والهوية والتاريخ, لم تعد المساحات الجغرافية والمواقع الإستراتيجية هي ميدان الحرب, فقد بدا ذلك واضحا من خلال "عاصفة الصحراء" فالموقع الأرضي بات تقليديا وكان في هذه المعركة رمزا فحسب .

في الحقيقة لاداعي لاستهلاك ورق أكثر "انه مستورد".. الانتصار محسوم ليس على جبهة واحدة انه على كل الجبهات, الجبهات العسكرية والاقتصادية أما الجبهات السياسية والدبلوماسية بالضرورة محجمة ومغلقة بشكل هندسي بحيث يجعل من وجودها وتأثيرها أمرا لا يهدد بناء النظام الجديد .

ماذا بقي إذا؟..

ما هو الشكل الأجدى للدفاع عن حقوق ووجود شعوبنا؟ لم يبقى سوى خندق أخير, لكنه عميق ويضم بداخله أشياء صغيرة من بين أطنان الاسمنت والباطون والإلكترون والنووي والصواريخ والبوارج والفضاء .

ماذا يعني أن نكون عَرباً وسط هذا الخضم الحضاري التكنولوجي, وسط المعلوماتية؟.. لنبتعد عن الجغرافيا لم يعد لها مكانة مع الصواريخ العابرة للقارات والانترنت, لنتوقف عن لوي وعجن التاريخ القديم .

انه الخندق الأخير.. خندق اللغة والإبداع والفن, حقيقة لم يبقى لنا سوى ذلك, هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن من خلاله تحديد موقعنا وقيمنا وملامحنا ووجودنا, وخارج هذا الخندق لم يبقى لنا شيء بالإضافة إلى انه لامجال للارتقاء إلى مستوى باقي الركب وقادته فالمسافة اتسعت والهوة زادت بشكل مخيف بحيث صار من المستحيل اللحاق بهم, لكن يمكننا أن نقاوم طويلا في خندق اللغة والإبداع والفن, هذا ما تبقى بفعلة فاعل, لكن الدخول في الخندق يعني الكثير, ويتطلب أكثر فأكثر منا كأفراد ومؤسسات وحكومات .

انه الألف الثالث, عصر الثقافة بمعناها الكوني المؤسس, هل يا ترى سنلتفت لذلك؟

 


 

"مقال لبشار طافش نشر في 14/9/1999 بجريدة العرب العالمية اللندنية"

شاشة الدخول