User Rating: 0 / 5

Star InactiveStar InactiveStar InactiveStar InactiveStar Inactive
 

بعبع ايران

بالنظر الى المشهد العام في بلاد العربان وللوهلة الأولى يتوقع مستقبلا الى حد كبير مظلم, فبعد الربيع العربي والذي اشار بقوة في بادئ الأمر الى فجر جديد ينتظر الأمة العربية, فجر يحمل الديمقراطية والعدل والمساواة وتدوال السلطة والقضاء على المحسوبية والفساد بشتى أنواعه السياسي والإقتصادي والإجتماعي, لكن بطريقة ما أحدا لم يحمل هم الآخر لم ترفع راية هم الأمة العربية الأكبر, القضية

الفلسطينية, ففساد وتأخر الأمة سببه الأول والأخير وجود الكيان الصهيوني في قلبها, لا يمكن بأي حال من الأحوال التفريق بين حال الأمة من تأخر وتخلف ورجعية وفساد في شتى أنواعة وبين كون الكيان الصهيوني في قلبها. 

لكن....أصبحت كل دولة عربية لها همومها الثقيلة, بحيث كان هم الشباب الأول والأخير حل مشاكله أولا في بلده, كانوا يحلمون أولا بالحرية بأن يشعروا بأنهم من البشر الذين يسمعون عنهم في العوالم المتحضرة, خاصة بعد ان اصبح العالم عبارة عن غرفة في منزل, أي نعم بأننا لم نرى ولا لافتة واحدة تذكر فلسطين أو اليهود أو تهويد المسجد الأقصى مثلا ولا في اي بلد من بلدان الربيع العربي لا في تونس ولا في مصر ولا في اليمن ولا في سوريا حتى الساعة, وبالرغم من ذلك كان الجو السائد هو التفاؤل في كامل بلاد العربان من المحيط الى الخليج.

مالذي حدث بالضبط؟ كيف تراجعت الأمور الى هذه الدرجة خاصة في بلاد الربيع وبالتالي في باقي الأمة؟ المكاسب قليلة للغاية والمخاسر تفوقها بمئات المراحل! نحن قرأنا في التاريخ كيف أن الثورات تنقل الأمم من عصور الظلام الى عصور الضياء, نحن في بلاد العربان يحدث معنا العكس تماما! من أسوأ الى أسوأ فأسوأ من عصور الظلام الى الظلام نفسه! والغريب أن الوطن العرباني كاملا بات يتأثر وربما يتجه الى الهاوية, حروب الطوائف, تقسيم البلد الواحد الى دويلات تضم بداخلها ابناء الطائفة الواحدة, تحول هم الأمة من القضية الفلسطينية الى مشكلة السني والشيعي, نحن بتنا نشعر ان العدو الأكبر اليوم للأمة العربية هو إيران وليس اسرائيل! لم تكن تلك مشكلة العرب ولا مشكلة الأمة الاسلامية يوما, نعم كانت أمريكا بالذات واسرائيل ومن ثم بريطانيا يحاولون بشتى الطرق أن يجعلوا من ايران البعبع الأول والأخير في المنظقة والهدف حماية اسرائيل, لكن الغريب أنهم نجحوا في النهاية وحققوا خطوة هائلة بهذا الإتجاه منذ بدء الربيع العربي, لم يحققو مثل حجمها منذ أن حدثت الثورة الإسلامية المزعومة في إيران في نهاية سبعينات القرن الماضي مرورا بحربها مع العراق الى ما قبل الربيع العربي!

نحن نعلم مثلا في العراق ان الأمور ربما تتجه نحو حدوث تطهير عرقي للسنة على يد الشيعة وايران, أو في أحسن الظروف انفصال السنة في دولة لوحدهم, وكذا إنفصال الأكراد في النهاية, بالرغم من أن الدستور العراقي يضمن وجود أقاليم وإدارات محلية كما هو الحال في كردستان العراق, لكن ربما لن يكون وزن لذلك عند إذ, كذلك الأمر في سوريا فما حدث في القصير يشير الى وجود خيار لدى نظام الأسد كحل طارئ في النهاية لإنشاء دولة علوية هناك, ولا نعلم بالضبط ماهي الدويلات التي قد تظهر أيضا, في اليمن أحيانا تظهر مسألة انفصال الجنوب على السطح, لايوجد مظاهرة في الجنوب اليمني لأي سبب كان دون رفع بعض اللافتات التي تدعو للإنقصال! مصر حالها ليس أفضل من مثيلاتها من بلدان الربيع, فما حققته الدول المتربصة بمصر مثل أمريكا واسرائيل وبريطانيا كان قفزة هائلة منذ الربيع المصري, فمنذ ان ذهب السادات الى الكنيست الإسرائيلي في نوفمبر من عام 1977, خرجت مصر من معادلة القوة العربية ومن قيادة افريقيا فيما بعد, كان سبقا هائلا وخطوة غظيمة تحسب لإسرائيل في صراعها مع العرب خاصة بعد معاهدة كامب ديفد التي ابرمها السادات ايضا في سبتمبر من عام 1978, حاولت اسرائيل تركيع مصر خاصة من خلال التأثير على حصتها من مياه النيل طوال العقود التي تلت المعاهدة حيث بدأت تستفرد بإفريقيا فلا ننسى مثلا أن أول السفارات في دولة جنوب السودان الوليدة كانت سفارة اسرائيل, ما كان ذلك ليحدث لو أن مصر بقيت ندا لإسرائيل وأبقت على نفسها في معادلة الصراع ووزنها أيضا في أفريقيا, ما حدث بعد الربيع المصري هو انه بوشر اليوم ببناء السد الأثيوبي على نهر النيل بدعم من اسرائيل, وهو ما كانت تحلم به اسرائيل طوال عقود, ما سيؤثر على كثير من الخطط التنموية في مصر وأيضا تعطيشها, لكن هذا جزء من مشاكل مصر الحالية وهناك المشاكل الداخلية والإنقسامات وحدوث ماهو أسوأ على كافة الأصعدة وخاصة الإجتماعية ولإقتصادية والأمنية والسياسية, حتى فلسطين تتجه هي الأخرى ربما لجهتين منفصلتين تماما ليس فقط بفعل اسرائيل بل بفعل أبناء فلسطين بعد ان أصبحت هناك صيحات متزايدة تحذر من انفصال غزة عن باقي فلسطين نتيجة انقسام الفلسطينيين, وخاصة بعد ان حولت السلطة الفلسطينية الشعب الفلسطيني بمعظمه الى لاهث وراء راتب السلطة واختزلت احلامه بشقة وسيارة بحيث تحول الى عبد للبنوك, ما أدى الى عدم قدرته بالقيام بما يجب عليه القيام به كشعب حول مسألة الإنقسام وخاصة التنافس والنتاحر بين حماس وفتح, في تونس الأمور هناك هي الأفضل للآن بين دول الربيع, لكن هناك ضغوط هائلة على الحزب الحاكم كونه إسلامي بالدرجة الأساس وما زال يتربص المتربصون.

في الحقيقة إن لاختلال مؤشر البوصلة في بلاد العربان السبب الرئيس في فشل مشروع الربيع, كانت التطلعات ضيقة في البداية قطرية على مستوى البلد الواحد نظرت الى الفساد ولم تنظر الى أصله, نظرت الى انعدام الحرية ولم تنظر الى السبب, لم تلتفت نهائيا الى أن اصل كل ذلك وجود اسرائيل! ثم ضاقت التطلعات أكثر واصبحت فئوية جهوية ومن ثم طائفية, ثم تحولت هذه الثورات الى بيئة مهيئة تماما لأن يمتطي الممتطون, بحيث وجهت بقوة من خلال المصلحجيين على أيدي خارجية لتدمير روح الثورات ختمت كل هذه الأيدي من جديد بنجمة اسرائيل, رائحة اسرائيل والحركة الصهيونية تفوح وتزكم الأنوف في الأروقة, حتى لو كان لإيران دورا مفضوحا فهي ايضا مختومة منذ الأزل بذات النجمة! كل هذه الحقائق مرة لكن الأشد مرارة هو ان الزمن التي قضته الشعوب العربية تحت الضغط والكبت أدى بها في النهاية الى التعفن, لن يتغر حال الأمة العربيانية الا إن تخلصت الأمة من عفن الطائفية والجهوية والى العودة مجددا لتذكر انها قبل سايكس بيكو لم يكن هناك أي حدود ولا أي خطوط, هذه الخطوط التي نراها حفرت في القلوب يجب أن تزول أولا لإنجاح أي مشروع أي مشروع ليس فقط ثورة وربيع عربي, عندإذ قد تتجه البوصلة الإتجاه الصحيح.     

شاشة الدخول